"و هكذا سارت بي الأيام، من حيث أدري ولا أدري، إلى ما أعتبره نجاحا وتوفيقا من الله، مما عزّز قناعتي بأن الحياة رحلة لا يمكن تحديد مسالكها وتوقع مآلها وضبط أحداثها، وبأن تجربة مسار الحياة ترفض الرجوع إلى الماضي لأنه لا يتكرر، و تحول دون توقع المستقبل لأنه في حكم الله، فكل مرحلة من حياتي لها خصوصيتها ومتطلباتها، وبالتالي فكل فرد يعيش حياته كتجربة خاصة به لا تتكرر لدى غيره، وكل ما كنت أتمناه منها هو أن أكون من خير خلف لخير سلف .
ومن نافلة القول أن الحيّز الزمني أو مدى العمر يُقدّر بحصيلة الإنجازات وليس بتعاقب السنين، فكل الناس لهم منطلق واحد، يتماثلون فيه عند الولادة، ولكنهم يختلفون في نهاية المطاف حسب ممارستهم للحياة وتعاملهم معها وكيفية الانتفاع بها، فهناك من يستهلك أيامه في غياب الوعي بذاته مستغرقا في تخيّلاته وآماله، وهناك من يعيش الحياة كتجربة يحقق فيها ذاته و أهدافه بالجد والاجتهاد ، والنتيجة معروفة لمن استهلك عمره دون طائل ولمن فرض نفسه بعمله. فالحياة هي وعي بالذات واكتساب للتجربة وعطاء للآخرين، إكسيرها الطموح والاندفاع والفاعلية، ومفسداتها الغرور والنرجسية وتضخيم الذات والاستخفاف بالآخرين.
وما دامت قيمة الحياة تكمن فيما نحققه في حياتنا، فإن الإنسان يولد بيولوجيا مرة واحدة، وفي نسخة وحيدة، لكن تفاعله مع الحياة قد يكتسي عدة دلالات في مجال الفكر والروح، يراجع فيها مسيرته ويحدد فيها موقفه على مسرح الفعل الانساني بنجاحاته و إخفاقاته . لهذا فإن خير سلاح في الحياة بالنسبة لي هو احترام النفس وصون الكرامة والمحافظة على المصداقية والإخلاص في العمل وتحاشي النفاق والتزلف، و هنا تكمن قيمة الانسان ، و هي القيمة الحقيقية ، و ليس في القيمة المضافة الزائلة التي يحاول الكثيرون الحصول عليها ،و التي تتمثل في السعي لاكتساب الثروة و النفوذ و الامتيازات على حساب رضى النفس و اطمئنان الضمير ، لأنها في الحقيقة أعراض زائلة و مظاهر خداعة"