عائشة نجار

 

في موعد جديد، وفي سنة جديدة، في لقيا أشبه بلقاء الوفاء بالعهد، يتجدّد حب ووفاء في حضرة العلم وفي حضرة العلماء، في ضيافة الطبعة السابعة لوسام العالِم الجزائري، أمسية الخميس 13 نوفمبر 2014، لبّى الحضور النداء استجابةً كريمةً وباذخة لدعوة الوسام، ليستمع ويُصغي بآذان واعية، لنجوم لم يحدث أن سطعت فوقهم الأضواء الإعلاميّة وحجبتهم عنا كاميراتها، نجلس إليهم لنتعلم منهم، طالبين منهم الرشد والحكمة، بكلماتهم القادمة من الخافق، بلا زيف ولا تنميق، وتفاعلٍ كان انسيابيا وتلقائيا من غير توجيه ولا تأثير.

استهلالُ كلمات الافتتاح في هذه الأمسية العلمية، كان بآياتٍ بيّنات من الذكر الحكيم، تُذكّرنا بذلك العهد، وتكريم عالِم الجزائر هذه المرةّ جاء في صورة "فريق" ، ليبرز لنا إحدى صور العقل الجزائري بصيغة المجموع، وحلّة "الجماعة" متمثلا في "فريق البحث العلمي لجمعية التراث"، اعترافا بما له من أياد بيضاء في تحقيق أعمق صور الاجتماع العلمي، في ندوة فكرية تحت عنوان: "الجماعة العلمية... البناء المعرفي"، تُعرض فيها إحدى التجارب الجديرة بالاعتراف، التي تفتح آفاق ممكنات العمل العلمي الجماعي.

"حديثنا اليوم عن فريقٍ بدأ يشتغل منذ أكثر من عشرين سنة، يكابد من أجل الوصول إلى معنى الجماعة العلميّة"، بهذه الكلمات البسيطة والعميقة يستهلّ الدكتور محمد باباعمي حواره الشّيق مع فريق جمعية التراث محرّكا للذاكرة التاريخيّة، عائدًا بها أكثر من عشرين سنة إلى الوراء.

في كلمات البدء، يعرّف الدكتور برسالة الفريق: إنّه فريق علميّ محترف جمع ثلّة من الباحثين الدكاترة من خيرة عقول الجزائر، حملوا رسالة التعريف بالتراث الفكري الإباضي، وأخرج للوجود أعمالا تصبّ في رسالة نبيلة همّها ترسيخ ثلاثية النامي "المعرفة والتعارف والاعتراف"، من بين هذه الثمرات: معجم أعلام الإباضيّة والذي استمر العمل فيه مدة عشر سنوات، نشر عدة مرات وترجم فيه لأكثر من 2000 علم، ثم بعد ذلك عمل في فهرسة مخطوطات وادي مزاب (2800 مخطوط)، معجم مصطلحات الإباضيّة والذي استغرق انجازه 17000 ساعة عمل في مجلدين يحملان قرابة 1000 مصطلح لها خصوصية وتميّز في التراث الإباضي. إضافة إلى (فهارس شرح النيل- معلمة الفقه الإباضي- النيل والفرات..).

بالحديث حول العمل الجماعي ومعاني الاجتماع العلمي باعتباره "مكابدة ومصابرة"، انطلق الحوار وتشعبت الشجون مع ثلة من أعضاء الفريق: البروفيسور إبراهيم بحاز، الدكتور مصطفى وينتن، الدكتور باحمد أرفيس، الأستاذ مصطفى بن دريسو.

عودة بالذاكرة إلى سنوات التسعينيات، إلى البدايات الأولى لهذه الجماعة التي تآلفت فألّفت، واجتمعت فجمّعت، يتحدّث البروفيسور إبراهيم بحاز عن فكرة الاجتماع الأولى وبذورها مستذكرا ظروف العمل وصعوبات البدايات في فترة عاشت الجزائر ظروفا صعبة، لكنّها لم تكن حجرة عثرة أمام العمل والجدّ والإنتاج، حيث كان أول الخطو مع معجم أعلام الإباضيّة الذي بدأ يكوّن بدايات الجماعة العلميّة ويصنعها.

من جهته، عاد الأستاذ بن ادريسو بالحضور إلى البدايات نحو محرّكات العمل، المتمثّلة في "غار أمجماج"، الفكرة المستلهمة من التراث والتاريخ كنظام للعمل لاستدعاء النّفَس الطويل والبذل والمكابدة، إنه المكان الذي جمع المشايخ في جبل نفوسة ليؤلفوا ويكتبوا، فإذا كانت فكرة الاجتماع العلمي راسخة في القديم فلا ينبغي أن يؤلف الشخص وحيدا في هذا العصر، فكانت الفكرة ملهمة للجماعة خاصّة مع مادة صعبة كالتراث.

في سؤاله عن جو أيام "غار أمجماج"؟ يجيب الدكتور باحمد أرفيس متحدّثا عن ذلك النفَس الطويل الذي خلّفه نظام العمل في أيام مغلقة، بذرت روح العمل الجماعي والتعاون والاستفادة للباحثين حتّى في أعمالهم الخاصة وتحضيراتهم العلميّة، " لقد كانت الجماعة هي الملجأ والمخرج من ربقة الصعوبات التي تعترض الباحث منفردا، فيمكن أن نعتبر أن ثلاث أرباع بحوثنا أنجزت عن طريق التعاون والمناقشات والمراجعات المستمرة، فالجماعة العلمية خدمَتنا ورفعتنا في المستوى، لكن يبقى الكثير للعمل".

هذا عن ثمار الاجتماع العلمي، أمّا عن منهج العمل وطريقة تسييره، فيأخذنا الدكتور وينتن في زاوية أخرى تعرض لصعوبات التأليف الجماعي وطريقة تجاوزها، من خلال تدخّل المنهج العلمي الصارم في اختيار المادة العلمية التي جمعت اختلافا في المشارب والآراء، مؤكدا بأنّ مرحلة الصياغة كانت مرحلة مهمّة وصعبة في آن، فبفضل تظافر الجهود تم الوصول إلى الصياغة التي تفيد القارئ، أي أننا –يضيف-  "تركنا الناس يقولون في المعجم، وقالوا، والحمد لله".

وضمن روح الجماعة العلمية، يحدّثنا البروفيسور بحاز عن الأسفار العلمية باعتبارها الصورة الديناميكيّة للجماعة العلميّة، فالهدف واحد: إنّه التقدّم في العمل بأكبر نتائجه، دون أن يعني ذلك الصورة الوحيدة والواحدة لطريقة العمل فـ"غار أمجماج"، هو الشّكل الرمزي للجماعة العلميّة التي يتنقّل بها من القاعة إلى المسجد إلى الملتقى، إذ أنّ هناك مرونة لدى الفريق في تنقلاته. فمثلا في مرحلة جمع المادة تتنقل الجماعة عبر الأسفار في المكتبات، وقد تكون هذه الرحلات في بعض الأحيان لحضور الملتقيات، فتكون فرصة للاجتماع وتنظيم المشاريع المستقبلية، ثم تأتي مرحلة التحرير لتعيد لمّ الجماعة مجددا في أيام مغلقة.

من جهته يطرح الدكتور باباعمي مسألة طاقة الباحث التي تستنزفها مهامه ومشاغله الاجتماعية إضافة إلى الوظيف، وضغوطات العمل في الإدارة، ومع ذلك يبقى الإلحاح على الحاجة العلميّة للإنتاج والتأليف، فكيف السبيل إلى الجمع بين الأمرين؟ يجيب الدكتور باحمد أرفيس بأن الحلّ يكمن في الجماعة العلمية وفي نظام الأيام المغلقة، ويوافقه الدكتور وينتن بقوله أن العمل الجماعي هو الذي أخرج القضيّة من عنق الزجاجة، فهو أحسن وسيلة لاستثمار الجهود والطاقات، خاصة مع تقسيم الأعمال وتكاثف الجهود، فالعمل الجماعي يرفع المعنويات ويخفّف الحمل الثقيل، والذي ينتمي إلى جماعة علمية ينتج ويبدع أكثر ويرتاح أكثر. فهناك تسليم بأنّ الجمع والاجتماع صعب، لكنّه ممكن.

وحيث أنّ للصورة وقعها، يختم الدكتور باباعمي هذا اللقاء الشّيق بالعودة إلى أرشيف الذاكرة، بعرضه لصور قبل 23 سنة تعود إلى بدايات عمل فريق جمعية التراث، والتي أجبرت الفريق على العودة إلى تلك اللحظات والبوح بالمزيد من الذكريات، يختتمون بها كلماتهم:

الأستاذ مصطفى بن أدريسو: "نسأل الله تعالى أن يبارك هذه الوحدة ويؤلف بينها، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه".

البروفيسور بحاز إبراهيم: "نأمل لأعمال مستقبليّة الخروج إلى العالميّة، وتحقيق معنى الجماعة العلميّة في أوسع صورها".

الدكتور باحمد أرفيس: "لأن هذا العمل والتعب والكدّ فيه كان متعة حقيقيّة، بما فيه من توافق وانسجام وإدمان على حضور اللقاءات والاشتياق لحضور الاجتماعات، أتمنى أن تنتقل هذه المحبّة إلى الأمة الإسلاميّة جمعاء".

الدكتور مصطفى وينتن: "ندعو الله أن يتقبل ما سبق، وييسّر عملنا في المستقبل لإنجاز أكبر، ونتمنى أن ينتقل هذا المنهج إلى أوسع نطاق ممكن".

في الختام يوجز الدكتور باباعمي في كلمة ما يمكن أن يستفاد به من الجماعة العمليّة، ليس في صورتها النّظريّة فحسب ولكن في تمثّلها العملي، في إحدى صور اجتماع العقل في الجزائر، متمثلا في "فريق جمعية التراث" ذلك النموذج المتميّز المكابد لتحقيق معنى الجماعة العلميّة، والذي لا يملّ من توزيع نصائحه وخبرته على الجيل الشاب، هذه التجربة التي تجبرنا على إعادة التفكير في مفهوم العمل المعرفي والاجتماع العلمي، وتقديم رؤية مغايرة لممكنات تحقيقه.

فعرض مثل هذه التجربة ليس للاستعراض ولكن لفتح الممكنات حتى تتكرّر مجدّدا في شتى المجالات، باعتبارها تجربة جديرة بأن يستفيد منها الجيل الشاب، وتذكيرا بحاجة الأمة إلى مثل هذه الأعمال، فكل واحد من هذا الوطن جزء لا يتجزّأ فيه، ورُبَّ مبلّغ أوعى من سامع لعلّ أن يكون لها شأن وأي شأن.

إلى هنا يبتهل القلب بما يعجز اللسان عن تعبيره، فالرسالة وصلت بإذن الله، رسالة التكريم ومغزى إعلاء شأن العلم...

و"الفريق" الذي اجتمعت في روحه كلّ من "الصبر والمكابدة" فعلا يستأهل هكذا استحقاق..

فهنيئا لنا به نموذجا وصورة من أبهى صور العقل الجزائري "مجتمعًا"، وهنيئًا للجزائر علماءَها...

نعم للجزائر علماؤها ليس بصيغة المفرد فحسب ولكن بصيغة الجمع أيضَا...

نعم الجزائر ولّادة، وبإذنه ستبقى كذلك.