فاطمة الزهراء سعيداني

 

في أجواء مهيبة صنعها فتية المدارس الذين أبوا إلا أن يشاركوا عالِمهم الجزائريّ الأصيل  البروفيسور "أحمد جبّار" فرحته بتكريمه بوسام العالم الجزائري، انطلقت فعاليات الندوة التربوية المسائية، السبت 15 نوفمبر الجاري، والتي تولى التنشيط فيها الطالب "محمد باحريز"، ومن خلال هذا اللقاء العلمي التربوي اجتمع البروفيسور المكرّم بأبناء المدارس العمومية والخاصة.. هي مبادرة أرادها القائمون على التنظيم فرصة للتلاميذ من أجل اقتباس القدوة، وأخذ العبرة، والتقرّب من عالم فذ، بذل مهجته في تخصّصه "تاريخ الرياضيات العربية في المغرب والأندلس".

بتواضع جمّ، وحبّ غامر بدأت حلقة العالم مع المتعلّمين... هشّ لهم وبشّ، واكتشف فيه الحاضرون المربّي الحذق والأب الحاني، الذي يختفي في ثوب المؤرّخ النشط، والرياّضيّ الماهر، وهو ما لفت عناية الحاضرين خلال الندوة المسائية.

ففي أول الأمر بسّط للتلاميذ وطلبة الثانويات التخصّص الذي ينشط فيه، وهو تاريخ الرياضيات العربية في بلاد المغرب والأندلس، وشرح لهم مبتدأ اهتمامه بالرياضيات العربية، من خلال البحث والتنقيب عن المخطوطات في مختلف البلاد العربية والإسلامية، وتحليل محتواها، من أجل التعريف بإسهامات علماء العرب والمسلمين في البلاد المغرب والأندلس في رحلة تطوّر علم الرياضيات.

ثمّ عرّج بهم شيئا إلى مسيرته كمتخصّص في التحليل التوافقيّ في الرياضيات، وعاد بهم إلى منشأ هذا التخصّص على يد اللغويّ الكبير "الخليل بن أحمد الفراهيدي"، الذي استعمل لغة التحليل التوافقي –وهي لغة الرياضيات- في البحث عن التقنيات الرياضية المساعدة على فهم كيفية اختيار البحور الشعرية لكتابة الشعر العربيّ، ونتيجة عمله الدؤوب في مجال البحور الشعريّة، طوّر في بعدما  ما يسمّى "علم وضع المعاجم".

ثم انتقل معهم بلغة سهلة ميسّرة إلى نبذة مختصرة عن مسيرته الشخصية والعلمية، منذ الطفولة خلال أيام المدرسة والكتّاب، وأبرز المحطّات والعبر التي زخرت بها حياته، وإلى غاية النضج وطلب العلم. وفي أثناء سرده لمسيرته لم يبخل عليهم بإشارات وعبر قيّمة، استخلصها هو بنفسه، وآثر أن يتقاسمها معهم، لأنه يعتبر كلامه موجّها لبناة المستقبل، وصنّاع الغد، وليس فقط مجرّد حوار رتيب مع فتية صغار. وهذه بحدّ ذاتها سمة أخرى تضاف إلى شخص "أحمد جبّار" المربّي والأب.

وممّا زاد في رونق الجلسة تلك العروض التي كانت تعرض حول مسيرة البروفيسور "أحمد جبّار"، والتي زادت من استيعاب التلاميذ لمراحل حياته، ومحطاتها العلمية الثريّة. ليتقاسم بعدها الطلبة الجزائريّون المقيمون في تركيا، والذين أبوا إلا أن يشاركوا عالِمهم فرحة تكريمه بوسام العالم الجزائريّ، تقاسموا مع الحاضرين في قاعة الندوة تجربتهم في رحلة طلب العلم في تركيا، وكذا تجربة مخيّم "هزارفان"، ومقاصدها العلميّة السامية، والتي تولّى شرحها وبسطها الطالب "إلياس عبد العزيز".

وفي سؤال عن القيمة العلميّة وراء اختيار التخصّصات في الجامعة، وما المقصد من وراء اختيار تخصّص دون غيره؟ قال البروفيسور أحمد جبّار: "كلّ التخصّصات محترمة ونافعة، لأن المجتمع الذي تعيشون فيه لا يتطور ولا ينمو بتخصّص واحد، أو بنشاط واحد، ولابدّ أن يكون في المجتمع العمّال ورجال الشّرطة وروّاد الجيش والأساتذة والفنّانون والأدباء، وغيرهم... ومن يظنّ أنّ هناك تخصّصات لا فائدة منها بالنسبة للمجتمع فهو مخطئ تماما".

وفي جوّ علميّ شيق، فتح المنشّط باب السؤال للتلاميذ والطلبة الحاضرين، من أجل تقريبهم من البروفيسور المكرّم، وتقريبه منهم، فانعكست في القاعة تلك الروح العلميّة الجادّة، الممزوجة بروح المرح والدعابة الحاضرتين دوما في شخص البروفيسور "أحمد جبّار"، وزادت الألفة  التي اصطبغت بها الندوة التربويّة من حميميّة الأجواء وبهجتها، وتنوّعت أسئلة الطلبة بين ما هو ذو صلة بحياة البروفيسور ومسيرته العلميّة ، وبين ما يشغل بال الطلبة والتلاميذ، وخاصة المقبلين على اجتياز الشهادات الرسمية في نهاية السنة، ولم يجد البروفيسور غضاضة في الإجابة على أسئلة الطلبة، مهما كانت عميقة أو محرجة. ومع كلّ إجابة يقدّم عبرة ودرسا للسائل ولغيره، حتى ينتفع من السؤال والإجابة معا.

ولم يتوان البروفيسور في تقاسم مشاعره مع أبنائه الطلبة والتلاميذ، حين صرّح لهم بالخوف الذي تملّكه قبيل بدء حواره معهم، لأّنه تذكّر خوفه من المعلّم حين كان في مثل سنّهم، لتختتم بعدها الندوة التربويّة بتقديم بعض الهدايا التكريمية من أبناء بعض تلاميذ المدارس الحاضرة في الندوة للبروفيسور "أحمد جبّار"، الذي سعد أيّما سعادة وتأثّر أيّما تأثّر بهذه الهدايا، ثم بأخذ صور تذكاريّة مع عالم الجزائر وباحثها في تاريخ الرياضيات في بلاد المغرب والأندلس.