حمزة موسلمال - حسن الشيخ بالحاج

أملا في أن لا يموت الأمل،  ورغبة في أن يُواصل حملُ مشعلِ العلم إلى الأجيال القادمة، وعلى إثر تكريم العالمين العلَمين بوسام العالم الجزائري، حظي طلبة وأساتذة من مختلف المؤسسات بندوة تربوية بعد ظهيرة تُوّجت بزخات من المطر، كأنّ السّماء تشارك مشاعرنا بالبكاء، بكاء على فقدان شيخ المؤرخين وقدوة الباحثين "الدكتور أبو القاسم سعد الله" وبكاء فرح واحتفاء بتكريم العالمين: الشيخ عبد الرحمن بعموري والأستاذ الدكتور كمال يوسف تومي، ندوة كان فيها الحضور متتلمذا متعلّما، متأمّلا إلى سيرتهم العطرة ومستلهما، وينهل من فيوضات علمهم وجميل فعلهم.

تعرّف الطلبة إلى وجه آخر لصحرائنا ، المكرّم عبد الرحمن بعمّوري "سلطان الحكمة" وعبقريّ صحراء الجزائر الذي اعتلى المنصّة بحلّة تقليدية أصيلة كان فيها العريس المتوّج الذي أضفى على الحفل رونقا وجمالا. شيخنا مثال يحتذى به في الحكمة والصبر والإصرار، اجتماعيّ الطبع في قمة الهدوء والتواضع، يصل اللّيل بالنّهار لينقل علوم الدين للعالمين، ومفتيا لما أشكل الناس في أمور الدنيا والدين، وباذلا جهده ليجبر كسر المتخاصمين، والسعي إلى الصلح بتوفيق الله بين المتناحرين، حتى غدا عنصرا هاما يرتكز عليه الاستقرار الإقليمي بين الجزائر وما يحدها من دول الجنوب، عمل دؤوب وجهد حثيث تواصلَ منذ سنين، كله إخلاص لنيل رضوان الله رب العالمين.

المكرم الثاني هو "أمل الجزائر" و"بلبل القرآن"، العالِم العالمي الأستاذ الدكتور كمال يوسف تومي،  المتميّز بحق في تغيير الصورة النّمطية للعالِم الذي ألفناه، الذي لا يتكلّم إلاّ نادرا وإذا تكلّم تمتم بكلمات غير مفهومة، ابتسامته معدودة بأجزاء من الثانية، تلك الصورة السائدة في كثير من النّفوس والعقول منذ زمن غابر..

البروفيسور كمال تومي كان نموذجا لقلْبِ كلّ هذه التّصورات، فهو "المخترع المبدع" في أرقى المخابر والجامعات الأمريكية (MIT) والمستشار في أفضل الشركات العالمية (...TOYOTA, SAMSUNG)  يبتدئ يومه بتلاوة القرآن وينهيه به. حصل على أكثر من عشرين براءة اختراع وهو المجاز في خمس قراءات، لا تفارق شفتاه أريج الابتسامة الصافية التي لا تكاد تراها إلا و ملأت قلبك حبا وإجلالا له،  فأولّ ما جذب الطلبة إليه دماثة أخلاقه وصفاء سريرته، ولا تسل عن تواضعه وعفويته ، يفيض حبا وإيمانا، يغمر من حوله بفيض حنانه، يأسر القلوب والعقول من أوّل لقاء به. 

بدأت الندوة بتنشيط الأستاذين ياسين شريفي وطه كوزي في حدود الساعة الثالثة وخمس دقائق مساء، وخير ما افتتحت به تلاوة مباركة أجادتها حنجرة الأستاذ عيسى عيسى، بعدها وقف الجميع لأداء النشيد الوطني، ثم تابع الحاضرون وكأنّ على رؤوسهم الطير روبورتاجا حوى سيرة المكرمين منذ نشأتهما، تلاحقت فيه بعض من مواقفهم الجريئة وإنجازاتهم العظيمة.

بدأ الحوار بسؤال المنشط عن أسباب النجاح وأسراره وما ينصح به الطلبة، فأجاب الشيخ بعموري وكله حكمة وخبرة قائلا: "من الواجب معرفة حق العلم والتعلم فهو ما يحيا به الإنسان وهو ما يستحق أن ننفق من أجله الغالي والنفيس، فبعد أن نعرف قيمة العلم يجب أن نسعى إليه ونجتهد في تحصيله، ومن المعينات على ذلك العمل باكرا والغوص في المسائل والتعمق فيها".

البروفيسور كمال يوسف تومي ابتدأ بمقولة كانت بحق بردا وسلاما على من ادعى موت الأمل، قال مبتسما : "أنتم يا طلبة اليوم رجال مستقبل الجزائر وعمدتها، المستقبل بين أيديكم"، لينبّه بعدها أنّ أول شرط للنّجاح هو تقوى الله جلّ وعلا.

قوة البروفيسور في التّحليل العميق للآيات القرآنية واعتماده لها مرجعا في بحوثه جعلته يوصي ويؤكد أن الإنسان إذا لم يقتنع ببعض ما جاء في القرآن الكريم فلينظر إليه من وجه آخر وبالضبط من زاوية العولمة.

 انهالت الأسئلة من الحضور كالماء من أفواه القرب لفكِّ رموز النجاح والإحاطة بأسباب التألق أكثر، وكانت كثرة الأسئلة والمداخلات دليلا على تعطش كبير في زمن قليلا ما يُرفع فيه للعالم المؤمن قدر، ويُجعل له في المجالس والمحافل صدر، فكانت استفسارات وإجابات ونصائح العالميْنِ دليلا جميلا على الوجود القويّ لبذور الطموح والأمل ملأت القاعة بنفحاتها.

وفيما يلي خلاصة لتلك القطوف الدانية التي تسابق لنيلها الحاضرون بقلوبهم وعقولهم:

- من أهمّ ما جعل الشركات الغربية تكون الأولى في ميادين التطور هو الانضباط الصارم في العمل. 

- بالعلم يمكننا أن نفيد غيرنا.

- يجب على الإنسان في الوقت الحاضر أن يوسّع أفقه ومساحة تفكيره.

- على الإنسان أن يتحلى بالصبر في التعلم فالعلم لا يُنال في لحظة وإنما هو تراكمات تأتي بالتدريج.

- التأكيد على أهمية المطالعة والبحث مما يزيد في معارف الإنسان.

- فيما يتعلق بأهمية تعلم اللغة الإنجليزية، قال البروفيسور بأن البحوث العالمية اليوم وكذا الشركات المتعددة الجنسيات تستعمل الإنجليزية في العالم فهي أول لغة تَعامل في العالم فينبغي أن نتعلم دون أن نغفل عن اللغة العربية لغة القرآن، فالإنجليزية أوسع انتشارا من الفرنسية التي تبقى محدودة في بعض الدول.

- الإنسان مهما كبر و بلغ في علمه لا يزال يتكوّن ويتعلم، فلا يتوقف لحظة عن ذلك لأن الوقوف في عصرنا هو رجوع إلى الوراء مقارنة بتطور الغرب.

- تداخلت العلوم في عصرنا كثيرا مما أوجب على الإنسان أن يتقن إلى جانب تخصصه ما يتعلق به من العلوم الأخرى بسرعة.

- الإنسان الذي يبدأ يومه بكلام الله تعالى ويختمه به يكون موفَّقا في أعماله تكلؤه البركات الإلهية والفيوضات الرّبانية.

- ممارسة التمارين الرياضية مهمة لتنشيط الجسد وإعادة بعث الحيوية فيه.

- في أساليب التدريس نتجنب العقاب ما أمكن، ونبدأ بـ "التحبيب" قبل "التأديب"، والتفاؤل بالخير فالطالب ولو أخطأ نأمل فيه خيرا لأن مجيئه لطلب العلم بذرة خير.

- أشار البروفيسور كمال إلى أن الإنسان له طريقان للوصول إلى مبتغاه، فإمّا أن يركب القطار السريع ليصل وإمّا أن يمشي برجليه وقد يصل لكن بعد فوات الوقت، في إجابته عن استفسار طالبة عن سبب اختراعاته في الخارج وعدم فعل ذلك في الجزائر.

ختاما طلب المنشط من العالِميْن وصية ختامية للتلاميذ، فأوصى الشيخ بعموري وأكد على نهج الصبر لنيل المراد وعدم الاستعجال أو اليأس وطلب العون من الله سبحانه وتعالى، أما وصية البروفيسور كمال فقد قال فيها أن لكل إنسان أصل فلا ينساه أبدا ولا يتنكر له، فحبه لأصله الجزائر -أي البروفيسور- يزداد يوما بعد يوم، فلا يكاد يفارقها حتى يعود إليها، وأكد مرة أخرى –رفعا للهمةّ- أن الشباب هم محور التطور في الوطن وعلى كاهلهم يتعلق مستقبل الأمة.

وفي الأخير اختتم المنشط الأستاذ طه كوزي اللقاء شاكرا الجمهور على الحضور والاهتمام الكبير واعتذر على أنّ ضيق الوقت حال بين الأسئلة وجوابها، ودعا لهم بالخير مؤكدا على استمرار شمعة الأمل في أجيال الحاضر والمستقبل ليسدل الستار على اللقاء المبارك في حدود الساعة الرابعة وأربعين دقيقة.