وسام العالم الجزائري، ثمرة كانت بذرة..!

 

أ. جابر ناصر بوحجام

وسام العالم الجزائري نعمةٌ من اللّه، وفرصة لإعادة الموازين إلى أصولها.

رحلة وسام العالم الجزائري تشبه القطار في رحلته، فيه أناسٌ في القاطرة الأمامية وفيه أناسٌ ركبوا في العربات، وفي الطّريق منهم من نزل من العربة إلى رحلةٍ أخرى، ومنهم من انتقل من العربات إلى القاطرة، ومنهم من انتقل من القاطرة إلى العربة استجابةً لنداء في الأمّة، أو تحقيقًا لرؤيةٍ وجد فيها ضالّته. وبين هؤلاء وهؤلاء تتواصل رحلة القطار، رغم تحديَّات الطّريق، ووعورة المسلك في بعض الأحيان..  والحمد للّه أنّ الرحلة لا تزال متواصلةً، والأبواب دائمًا مفتّحةً لمن يريد الانضمام.

رحلة وسام العالِم الجزائري رحلة من رحلات الأمل الموجودة في الوطن، كلٌّ يختار الرّحلة الّتي تُناسب توجّهه واهتمامه، فقط لتكن رحلته في خدمة أمّته ووطنه، وليجعل رضا الله غايته ومراده لا شيء غير ذلك، وليتذكّر المقولة الرائعة: "عدد سبلِ الخير بعدد أنفاس الخلق"، فكن فاعلًا، واتّعظ بمن غادر وترك الأثر..

رحلة وسام العالم الجزائري كانت بذرةً، أريد أن أحكيها لكم من خلال بحثي: "إنتاج المعرفة في سياق حضاري متأزّم" الّذي صدر في 2021م..

رأى "الفتى" فيما يراه النّائم، أنّه كان ممّن شهدوا حفل تكريم علماء الجزائر في شتّى العلوم؛ إنسانية وتقنية، وقد كانت قيمة الجوائز الّتي مُنِحت رفيعة القدر رِفعة أهل العلم الّذين زيّنوا الحفل، أمّا "جائزة القرن" فقد مُنِحت مناصفةً بين عالِمين جزائريّين أحدهما في "الدعوة والفكر والحضارة" والآخر في "الآلية والحركية"، وتميّز الحضور بنوعيته؛ حيث جمع خِيرة رجالات الجزائر: من علماء ومسؤولين، وبعد الحفل أمّ المصلين في صلاة المغرب شاب مجود، فقرأ: ﴿يَآ أَيـُّهَا الْمَلأُ اَفْـتُونِي فِي رُؤْيـَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيـَا تَعْبـُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ الاَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ﴾ ، فاستفاق الفتى هلعا فزعا*.

استفاق "الفتى" لا ليجد نفسه أمام التلفاز والجوائز تُغدق على السّفاهة فقط، ولكن وجد نفسه عند الطّبعة الحادية عشرة من حفلٍ يقوم به بنفسه، فقد تحوّل من راء مفرد لأحلام إلى مجموع صانع لحقيقة، منحت الأمل للعالِم والعامل على السّواء. 

لقد بقي هذا الحلم في عقل الفتى فكرةً تختمر، وهمًّا حضاريًا يُسائله، حتّى جاءت لحظة افتتاح معهد المناهج في 02/05/2007، فعاودته فكرة اختتام السنة الدراسية بأيّام النّقد في المدرسة العلمية، واستشار الإدارة في أن يكون حفل الافتتاح هو مناسبةً لتكريم عالِم من علماء الجزائر، وهو ما لاقى التأييد والموافقة، فتمّ اختيار عالِمين لهما رمزيتهما في "خريطة العِلْم الجزائري"؛ "شيخ المؤرخين" أبو القاسم سعد الله و"زينة العلماء" الشيخ الناصر المرموري **، فتمّ تكريم الأوّل، ولم يتم الثاني لعذرٍ ألمَّ الشيخ المرموري.

بدأ التكريم في قاعةٍ صغيرةٍ بمعهد المناهج تستوعب 70 شخصًا، لكن القاعة امتلأت بالحضور ووصل عددهم في ذلك اليوم إلى حوالي 120 شخصًا، وشارك في التنظيم أعضاء المشاريع: من مكتب الدراسات والمدرسة العلمية، ودار القرآن مالك بن نبي، وغيرها من المشاريع الّتي كانت موجودة في ذلك الوقت، واليوم بعد إحدى عشرة طبعة وصل عدد الحضور إلى أكثر من 1400 شخص بل وأغلقت أبواب القاعة في وجه بعضهم لدواع أمنية تمسّ سلامة الحضور وطاقة الاستيعاب، وأطّر عملية التنظيم طلبة جامعيّون متطوّعون بإلحاحٍ منهم وصل عددهم 70 طالبًا.

مؤسّسة وسام العالِم الجزائري تنشط في المجال العلمي والثقافي، تهتمّ بتكريم العلماء والشخصيات العلمية والثقافية، تتمثّل قول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، تسَمّت باسم الجائزة الّتي تقدّمها لكلِّ من حمل حبّ الوطن همًّا بين حناياه وعملًا يقدّمه بين يدي ربّه؛ فترك آثارًا طيِّبةً ينتفع بها عباد اللّه في الجزائر وخارجها؛ فكرًا وعملًا، تتّخذ من ألوان الطّيف خيارًا لصورتها، ومنهجًا في تعاملها؛ فلا تؤمن بالاختزالات والاستقطابات، ما لم تؤدّ إلى انغلاقٍ على الذّات وإلغاءٍ لاحتمال وجود اختلافات، فلا فصل لها ما بين "ديني" و"دنيوي"، ما بين "إنساني" و"طبيعي"، وما بين "محلي" و"دولي"، بل كلٌّ متكاملٌ كما خلق اللّه هذه الحياة.

ما كان لهذه المؤسّسة الخيريّة الطّابع أن تقف على رجليها لو لم يقم عليها رجالٌ مخلصون آمنوا بالفكرة فدافعوا عنها، اقتنعوا بها ودعموها؛ فمثّلوا حقيقة الفتى حقّ التّمثيل، منهم العلماء العامِلون ضمن "معهد المناهج"، وفي "الجامعات الجزائرية" عموما، ومنهم الشركات والمؤسَّسات التجارية الداعمة، ومنهم مؤسّسات وطنية عمومية، فأن تصل جائزة علمية ثقافية ذات طابعٍ خيري لأن تحقِّق الطبعة الحادية عشرة من برنامجها السنوي، فإنَّ هذا في السياق الحضاري المتأزّم يُعدُّ تحديًا وأكبر إنجاز، مع بعض المثبّطات الّتي تعرّضت لها المؤسّسة والّتي لا يخلو منها أيّ فعلٍ حضاري.

وتبقى الجائزة العلمية مؤشّرًا على قدر العلم في ذلك البلد، فكلّما علت قيمة الجائزة ماديًا ومعنويًا، وكلّما ارتقى المستحقّون لها في السلم الاجتماعي احترامًا واهتمامًا وحضورًا؛ كلّما دلّ أنّ العلم نشطّ وأنّه القائد للمجموع، ويبقى السّؤال الّذي يطرحه الفتى على نفسه: هل فكرة "وسام العالم الجزائري" ستحمل بذور مُصالحة مع الذات الحضارية لجميع الفاعلين في حقول المعرفة الولود، بمقتضى الواجب والمسؤولية وبحكم ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُ إِذَا رَجَعُوا﴾؟ أم أنّها ستتجمَّد حدثًا سنويًّا هامًا، مثيرًا للكثير من الفضول الإعلاميِّ والطلابيِّ والجماهيريِّ، ثمّ تُطوى مقاصده مع آخر لوحة تُطوى من قاعة الاحتفال؟  

__

*-   - يُنظر تفصيل هذه الرؤيا المؤرخة بـجانفي 2000 في مقال: "كل عام وعلماء الجزائر بخير"، باباعمي، بورصة الصراحة حضور صحفي من عمق وعائنا الحضاري، ص: 38.

**-   - صدر بالمناسبة كتاب "مطارحة معرفية مع بابا الفاتيكان"، ووزّع على الحضور وفيه "إهداء: إلى الشيخ محمد ناصر المرموري، زينة العلماء، والأستاذ الدكتور أبي القاسم سعد الله شيخ المؤرخين"، يُنظر: باباعمي، مطارحة معرفية مع بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر ومقالات أخرى في القرآن والمنهج والفكر.