في فَجْرٍ مُشْرِقٍ بَيْنَ أَسْوَارٍ شَامِخَةٍ مُزَخْرَفَةٍ تُسْحِرُ الْأَلْبَابَ، حَيْثُ عَبْقُ التَّارِيخِ يَتَنَسَّمُهُ الزَّمَانُ، وَتُعْلِنُ كُلُّ زَاوِيَةٍ عَنْ مَجْدٍ حَيٍّ يَحْيَا. كَانَتِ الْأَبْوَابُ تُفْتَحُ عَلَى مَصْرَعَيْهَا، صُلْبَةً كَجِبَالِ الْأَطْلَسِ، وَرَحْبَةً كَالْآفَاقِ الْوَاسِعَةِ، تَأْخُذُ أَنْفَاسَكِ، وَتُغْمِرُ الْمَكَانَ أَنْوَارٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفِكْرِ، تُضِيءُ أَرْجَاءَهُ وَتُنَعِّشُ الْأَرْوَاحَ. هُنَا، فِي هَذَا الْمَعْقَلِ الْبَهِيِّ، اجْتَمَعَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ فِي تَوَاشُجٍ فَرِيدٍ، حَيْثُ يَلْتَقِي الْمَاضِي بِالْمُسْتَقْبَلِ فِي لَوْحَةٍ رُسِمَتْ بِيدِ الزَّمَانِ، وَيُغْمِرُ الْمَكَانَ بَهْجَةٌ تَرْفَعُ مِنْ سَمَاءِ الْمَجْدِ وَتُزَخْرِفُهَا. 

لَقَدْ كَانَ الْعِلْمُ فِي هَذَا الْحَفْلِ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ عِلْمٍ، بَلْ كَانَ نَبْضًا سَارِيًا فِي شَرَايِينِ الْمَكَانِ، نُورًا يَشْعُّ مِنْ بَيْنِ الْكَلِمَاتِ، يُهْدِي الْأَرْوَاحَ وَيُضِيءُ الْعُقُولَ. وَكَانَ الْعُلَمَاءُ، فِي تَوَاضُعِهِمْ الْجَمِّ، كَمَا الْبُحُورِ الَّتِي لَا تَنْضَبُ، يَفِيدُونَ بعطاءهم دُونَ حِسَابٍ، يَنْثُرُونَ بُذُورَ الْعِلْمِ أَيْنَمَا حَلُّوا، يَحْمِلُونَ بَيْنَ طَيَّاتِهِمْ رُوحَ الرِّسَالَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي جَعَلَتْ مِنَ الْعِلْمِ عِبَادَةً وَمِنَ الْحِكْمَةِ نُورًا. 

بَدَأَ الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْحَفْلِ الْمُهِيبِ بِكَلِمَاتِ الدُّكْتُورِ مَلِيكِ مَعَزَّةٍ، الَّذِي أَخْبَرَنَا بِحِكَايَةِ طُفُولَتِهِ، حِينَ كَانَ يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ الثَّقِيلَةَ، الَّتِي كَانَتْ تَفُوقُ جَسَدَهُ الصَّغِيرَ، لَكِنَّهَا كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ لَهُ عِزَّةً لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ. فَبِابْتِسَامَةٍ عَمِيقَةٍ، قَالَ: "كُلَّمَا زَادَتْ ثَقَلًا، زَادَ فَرَحِي!" هَذِهِ الْكَلِمَاتُ، الَّتِي انْطَلَقَتْ مِنْ فَمٍ يَفِيض بِالْحِكْمَةِ، كَانَتْ بِمَثَابَةِ أَهَازِيجِ الْأَمَلِ الَّتِي تَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارِ الْقُلُوبِ، تَدْعُونَا لنُّؤْمَن بِأَنَّ  مسار المعرفة ليس عَبْءَ، وَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ نَحْوَ الْعِلْمِ هِيَ عِبَادَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا. 

ثُمَّ، جَاءَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ سَحْنُونِ، الَّذِي أَضَاءَ لَنَا بِنُورِهِ تَارِيخَ الْجَزَائِرِ الْعَرِيقِ، ذَٰلِكَ التَّارِيخِ الَّذِي يَمْتَدُّ عَبْرَ آلَافِ السِّنِينَ، وَتَخْتَلِطُ فِيهِ أَلْوَانُ الْمَجْدِ وَالْبُطُولَةِ وَالْعِلْمِ. قَالَ بِصَوْتٍ عَمِيقٍ، يَحْمِلُ بَيْنَ طَيَّاتِهِ فَخْرَ الْأُمَّةِ وَعِزَّتَهَا: "تَارِيخُنا يَمْتَدُّ إِلَى مَا قَبْلَ أَلْفِ عَامٍ، وَنَحْنُ جُزْءٌ مِنْ حَضَارَةٍ لَا تُمْحَى." كَانَتْ كَلِمَاتُهُ كَالْأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ، تَنسَابُ عَبْرَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، تَذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْجَزَائِرَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَطَنٍ، بَلْ هِيَ مَصْدَرٌ لِلْعِلْمِ، وَمَوْطِنٌ لِلْآدَابِ وَالْفُنُونِ وَالْمُفَكِّرِينَ الَّذِينَ أَثَّرُوا فِي الْفِكْرِ الإِنسَانِيِّ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ. 

وَمَعَ قُدُومِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ بُورْنَانِ، الَّذِي كَانَ حَدِيثُهُ كَالْبَلْسَمِ الَّذِي يُطِيبُ الْجِرَاحَ، حَمَلَتْ كَلِمَاتُهُ الْأَمَلَ فِي أَسْمَى مَعَانِيهِ، قَائِلًا: "الْعِلْمُ لَا يَعْرِفُ الْمُسْتَحِيلَ، هُوَ طَرِيقٌ طَوِيلٌ، وَلَكِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ فِيهِ تَسْتَحِقُّ الْعَنَاءَ." كَانَ حَدِيثُهُ شَرَفًا عَظِيمًا، يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ السِّرَاجُ الَّذِي يُضِيءُ لَنَا دُرُوبَ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ السَّعْيَ وَرَاءَهُ لَا يَعْرِفُ الْيَأْسَ. كَانَ هَذَا الْقَوْلُ بِمَثَابَةِ رِسَالَةٍ لِلْعُقُولِ الطَّامِحَةِ، تَدْعُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِعَزِيمَةٍ لَا تَلِينُ، وَلَا تَقْبَلُ بِالضَّعْفِ أَوِ الْفَشَلِ. 

أَمَّا الدَّكْتُورَةُ مَهَا سَعِيدِي عَاشُورُ، فَقَدْ أَضَاءَتْ نُفُوسَنَا بِهَدِيَّتِهَا الثَّمِينَةِ لِلْمَكْتَبَةِ الوَطَنِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ، الَّتِي تَضُمُّ أَكْثَرَ مِنْ 1500 كِتَابٍ، وَكَأَنَّمَا قَدَّمَتْ لِشَعْبِ الْجَزَائِرِ مَنَارَةً عَظِيمَةً يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْأَجْيَالُ القَادِمَةُ. كَانَتْ تِلْكَ الْكُتُبُ أَضْوَاءً تَتَلَأْلَأُ فِي عَتْمَةِ اللَّيَالِي، تَفْتَحُ أَمَامَ الْأَجْيَالِ أَبْوَابًا جَدِيدَةً مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَعْرِفُ حُدُودًا، بَلْ هُوَ سِرَاجٌ يُنِيرُ الدُّرُوبَ وَيُجَدِّدُ الْآمَالَ. 

وَفِي قَلْبِ هَذَا الْحَفْلِ، تَلاَقَتِ الْأَجْيَالُ، حَيْثُ تَبَادَلَ الطُّلَّابُ الْأَفْكَارَ مَعَ الْعُلَمَاءِ، يَسْأَلُونَ، وَيُجِيبُونَ، وَيَتَنَقَّلُونَ بَيْنَ دُرُوبِ الْفِكْرِ فِي تَفَاعُلٍ حَيٍّ يُوْحِي بِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْجِسْرُ الَّذِي يُوَحِّدُ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلَ. كَانَ ذَٰلِكَ التَّفَاعُلُ بِمَثَابَةِ بَذْرَةٍ نَاعِمَةٍ تَزْرَعُ فِي الْأَذْهَانِ أَمَلًا يَثْمُرُ عَطَاءً دَائِمًا. 

وَفِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْبَهِيَّةِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ "وِسَامَ الْعِلْمِ" لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حَفْلِ تَكْرِيمٍ، بَلْ كَانَ حَدَثًا عَظِيمًا، تَزَاوَجَ فِيهِ عِطْرُ الْعِلْمِ وَتَوَاضُعُ الْعُلَمَاءِ مَعَ حَمَاسَةِ الشَّبَابِ الْمُتَعَطِّشِينَ لِلْعِلْمِ. وَقَدْ كَانَتِ الْجَزَائِرُ، الَّتِي دَعَّمَهَا الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ مُنْذُ الْأَزَلِ، وَمَا زَالَتْ تَرْعَى جُذُورَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ، دَائِمًا فِي طَلِيعَةِ الْأُمَمِ. وَبَيْنَمَا كَانَتِ الْأَضْوَاءُ تَتَلَأْلَأُ فِي السَّمَاءِ، كُنْتُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ هَذَا الْحَفْلَ لَمْ يَكُنْ سِوَى خُطْوَةٍ فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ، حَافِلٍ بِالْإِنْجَازَاتِ الَّتِي تَرْفَعُ رَايَةَ الْعِلْمِ عَالِيًا، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ الْجَزَائِرَ سَتَظَلُّ دَائِمًا مَنْبَعًا لِلْمَعْرِفَةِ، وَأَرْضًا لِلْأَمَلِ وَالْمَجْدِ. 

وَكَانَتِ رِسَالَةُ "وِسَامِ الْعِلْمِ" وَاضِحَةً جَلِيَّةً: "النَّجَاحُ لَا يُهْدَى إِلَّا لِمَنْ يَسْعَى، وَلِمَنْ يَمْلِكُ الْعَزِيمَةَ وَالْإِرَادَةَ." هَكَذَا تَسَلَّلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ إِلَى الْقُلُوبِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ لِتَحْقِيقِ الْمَجْدِ، وَأَنَّ الْجَزَائِرَ، بِمَا تَحْمِلُ مِنْ إِرْثٍ عِلْمِيٍّ، تَبْقَى دَوْمًا فِي طَلِيعَةِ الْأُمَمِ، تَفْتَحُ أَبْوَابَ الْأَمَلِ وَالْفُرَصِ لِشَبَابِهَا الَّذِينَ يَسِيرُونَ عَلَى خُطَى الْعِلْمِ، فَيُسْهِمُونَ فِي بِنَاءِ مُسْتَقْبَلٍ مُشْرِقٍ يَرْفَعُ رَايَةَ الْجَزَائِرِ عَالِيًا فِي سَمَاءِ الْمَجْدِ.

 

بقلم داود كوثر