مصطفى بن عمر

 

أردت أن يكون أول منشور في 2026 حول مؤسّسة وسام العالم الجزائري الّتي أصبحت علامة مسجّلة، بعد مسار طويل حلّّقت فيه بعيدًا ورفعت السقف عاليًا، بما يليق بمقام علماء الجزائر ودورهم المحوري في بناء الوعي والمعرفة.

ستّ عشرة سنة من النّفس الطويل، امتدّت من الطبعة الأولى سنة 2007 إلى آخر طبعة سنة 2025، جرى خلالها تكريم 26 عالمًا جزائريًّا من داخل و خارج الوطن.

وتحمل هذه المبادرة الفريدة بصمةً حضاريّةً تتجاوز فعل التكريم إلى مستوياتٍ مترابطة من المعنى والدلالة.

أوّلًا: فلسفة الاعتراف وردّ الاعتبار.

جسّدت المؤسّسة مبدأ أخلاقيّا عميقًا مفاده، أنّ الأمم الّتي لا تكرّم علماءها تفقد بوصلتها. فهي بذلك، تعيد الاعتبار للعالِِم بوصفه قيمةً رمزيةً ومعنوية، لا مجرّد منتِج معرفي. هذا الاعتراف ليس شخصيًا، بل اعترافٌ بالمكانة الّتي يجب أن يحتلّها العلم في الوعي الجماعي.

ثانيًا: وصل الذاكرة الوطنية بسلسلة العلم.

من خلال تكريم علماء الجزائر من داخل الوطن وخارجه، تؤكّد هذه المبادرة  أنّ الانتماء العلمي يتجاوز الجغرافيا، وأنَّ الهويّة الجزائرية هوية فكرية ممتدة. إنّها فلسفة الاستمرارية لا القطيعة، والجذور لا اللّحظة العابرة.

ثالثًا: مقاومة النسيان وثقافة الاستهلاك الرمزي.

في زمن السرعة والسطحية و طغيان التفاهة، اختارت المؤسّسة النّفس الطويل على مدى 16 سنة، وهو اختيارٌ فلسفي في حد ذاته. إنّها مقاومةٌ هادئةٌ لمنطق النّسيان، وترسيخ لفكرة أن القيم الكبرى تُبنى بالتراكم والصبر، لا بالضجيج.

رابعًا: إعادة ترتيب سلّم القيم المجتمعية

برفع السقف عاليًا بما يليق بمقام العلماء، تعيد المؤسّسة ترتيب الأولويات:

-العالِم قبل الشهرة

-المعرفة قبل الاستعراض

-الأثر قبل الصورة

وهذا موقفٌ فلسفي نقدي من واقعٍ يميل أحيانًا إلى تمجيد السهل والسّريع والمثير.

خامسًا: تحويل التكريم إلى رسالة للأجيال.

التكريم هنا ليس احتفاءً بالماضي والحاضر فقط، بل استثمارٌ في المستقبل. فكلّ عالِم مُكرَّم يتحول إلى نموذج أخلاقي ومعرفي للشباب، بما يحمل من رسالة مفادها: العلم مسار حياة، لا وظيفة فقط.

وجسّدت طبعة سنة 2025 هذه الفلسفة بوضوح، من خلال الجمع بين جذور الهوية ورمزية الحداثة، عبر تكريم شخصيتين وازنتين في مجالي الإبداع والمعرفة.

الأولى هي "شيخ الخطاطين" البروفيسور "محمد سعيد شريفي"، الذي اشتهر بكتابته المصاحف الكاملة بخط النسخ بأنامل يده. ينحدر من مدينة الڤرارة بولاية غرداية، وتخرّج من مدرسة تحسين الخطوط العربية بالقاهرة سنة 1962، حيث تتلمذ على أيدي كبار الخطاطين المصريين والأتراك. انفرد بتصميم نقوش الأوراق النقدية والعملة الجزائرية، إضافةً إلى عدد كبير من الشهادات الرسمية، كما تخرّج على يده العديد من الخطاطين والفنانين خلال مسيرته الحافلة بالمعهد الوطني للفنون الجميلة، ليصبح مرجعًا بارزًا في الخط العربي، تجاوز صيته حدود الوطن إلى الفضاء العالمي.

أمّا الشخصية الثانية، فهو البروفيسور الطيب حفصي، أحد أبرز الخبراء المرجعيين في الدراسات الاستراتيجية وريادة الأعمال على المستوى الدولي. تحصّل على ماجستير في إدارة الأعمال من معهد MIT بالولايات المتحدة، ودكتوراه في سياسة الأعمال من كلية هارفارد للأعمال. وأهّلته مكانته العلمية لأن يكون مستشارًا استراتيجيًا لعدد من المؤسسات والحكومات في كندا والولايات المتحدة وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، فضلًا عن كونه مؤلّفًا لعشرات الكتب والأبحاث في مجالات الاقتصاد العالمي والإدارة الاستراتيجية، وأستاذًا فخريًا بجامعة HEC Montréal، وعضوًا في الجمعية الملكية الكندية.

وهكذا، لا يبدو وسام العالم الجزائري مجرد حدث سنوي، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا، يعيد الاعتبار للعلم، ويحفظ الذاكرة الوطنية، ويؤسّس لبوصلة قيمية تُنير طريق الأجيال القادمة.