استضاف النادي الثقافي عيسى مسعودي، ضمن العدد السادس من برنامج “أرض العلماء” الذي تبثه الإذاعة الجزائرية، الدكتور بشير صوالحي، الأستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، في لقاء فكري وعلمي سلّط الضوء على مسيرته الأكاديمية وتجربته الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود في مجالات الفكر الحضاري والمالية الإسلامية والتعليم.
وجاء هذا اللقاء في إطار الشراكة بين الإذاعة الجزائرية ومؤسسة “وسام العالم الجزائري”، بحضور نخبة من الباحثين والطلبة الجامعيين، إلى جانب كل من الأندية الجامعية الثلاث اقرأ، إثراء، النابغة، حيث قدّم الدكتور صوالحي شهادة حية عن مسار علمي انطلق من مدينة المدية ليصل إلى الجامعات الآسيوية الكبرى، مؤكدا أن الإصرار على النجاح قادر على تحويل أصعب المحن إلى دوافع للتفوق.
وخلال حديثه، عاد إلى سنوات الدراسة الأولى، مستذكرا بداياته بمدينة المدية التي وصفها بمدينة العلم والمعرفة، قبل انتقاله إلى جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، أين برز تفوقه الدراسي، غير أن مسيرته لم تكن خالية من الصعوبات، إذ كشف أنه تعرض لمرض مفاجئ خلال السنة النهائية من التعليم الثانوي، ما تسبب في رسوبه في امتحان البكالوريا رغم تفوقه السابق.
واعتبر الدكتور صوالحي أن تلك المرحلة كانت نقطة تحوّل حقيقية في حياته، خاصة بعد أن واجه نظرة تشاؤمية من بعض المحيطين به، غير أنه حول ذلك الإحباط إلى حافز للنجاح، ليعود بعدها بقوة ويتمكن من الحصول على المرتبة الأولى على مستوى ولايته والثانية وطنيا في شهادة البكالوريا، وهو الإنجاز الذي فتح له أبواب المنح الدراسية خارج الوطن.
وأوضح ضيف برنامج “أرض العلماء” أن رحلته إلى ماليزيا سنة 1990 لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت انتقالا نحو تجربة حضارية مختلفة، حيث التحق بالجامعة الإسلامية العالمية بكوالالمبور، التي تأسست في إطار مشاريع منظمة التعاون الإسلامي لربط أبناء الأمة الإسلامية بمشروع علمي عالمي يجمع بين العلوم الحديثة والمرجعية الحضارية الإسلامية.
وأشار إلى أن الجامعة اعتمدت رؤية تقوم على تكامل المعرفة والتوازن بين العقل والوحي، وهو ما دفعه إلى التخصص في الدراسات الإسلامية والفلسفة، ثم التعمق لاحقا في المعاملات المالية الإسلامية.
وقد توّج مساره العلمي بالحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه في الشريعة والقانون، قبل أن يلتحق بسلك التدريس بالجامعة نفسها، ويساهم في تطوير المناهج والبرامج الجامعية، إلى جانب عضويته في لجان متخصّصة بالبنوك الإسلامية في آسيا.
وفي سياق حديثه عن العمل التربوي، كشف الدكتور صوالحي عن تأسيسه ثلاثين مدرسة تعليمية في ثماني دول بجنوب شرق آسيا، مؤكدا أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان وتكوين الأجيال، كما أعرب عن رغبته في نقل هذه التجربة إلى الجزائر عبر مشروع مدرسة نموذجية تستفيد من الخبرات التربوية الحديثة.
كما توقف المتحدث عند تجربته الإعلامية، موضحا أنه أطلق سنة 2002 مجموعة من المواقع الإلكترونية المتخصصة في التعريف بالجزائر وتاريخها ورموزها الفكرية والثقافية.
وأشار إلى أن هذه المبادرة تحوّلت إلى مشروع إعلامي وثقافي واسع ضمّ مواقع تهتم بالفكر والتراث والأدب والتاريخ، إضافة إلى منصات تربوية لفائدة التلاميذ الجزائريين، مؤكّدا أن هذه التجربة كانت ثمرة جهود شبابية تطوعية هدفت إلى إبراز الوجه الحضاري الحقيقي للجزائر.
ومن بين المشاريع التي استعرضها كذلك، تأسيس جمعية الجالية الجزائرية بماليزيا سنة 2005، حيث شدّد على أن خدمة أبناء الوطن في المهجر مسؤولية ثقافية وإنسانية لا تقل أهمية عن العمل الأكاديمي، خاصة مع تزايد أعداد الطلبة الجزائريين في الجامعات الماليزية خلال السنوات الأخيرة.
وفي ختام اللقاء، وجّه الدكتور بشير صوالحي رسائل تحفيزية إلى الشباب والطلبة، دعاهم فيها إلى عدم الاستسلام للخوف أو الفشل، معتبرا أن الثقة بالنفس والإيمان بالقدرة على تجاوز الصعوبات يمثلان أساس النجاح في الحياة.
كما أكد أن الكثير من المخاوف التي تعيق المبادرات ليست سوى أوهام نفسية تزول مع التجربة والعمل، مشددا على أن المستقبل يُصنع بالإرادة والعلم والمبادرة.
وختم حديثه بالتأكيد على أن الجزائر بقيت حاضرة في وجدانه رغم سنوات الغربة، وأن خدمة الوطن يمكن أن تتحقّق من أي مكان عبر المعرفة والمشاريع الهادفة التي تسهم في بناء الإنسان وتعزيز صورة البلاد بين الأمم.

Podcast الوسام
محتوى سمعي من انتاج مؤسسة وسام العالم الجزائري, تابعنا على:
google-podcast spotify apple-podcast